الرئيسية » لماذا أكثرنا نمل؟

لماذا أكثرنا نمل؟

by وئام أحمد إمام
0 comment

 

لماذا أكثرنا نمل؟

 

كتبت/ وئام أحمد إمام

مقتبس من كتاب الروح والجسد للدكتور مصطفىٰ محمود”

النملة التي تسكن شق الحائط وتتجول في عالم صغير لا يزيد عن دائرة قطرها نصف متر وتعمل طول الحياة عملًا واحدًا لا يتغير هو نقل فتافيت الخبز من الأرض إلىٰ بيتها، تتصور أن الكون كله هو هذا الشق الصغير وأن الحياة لا غاية لها إلا هذه الفتفوتة من الخبز ثم لا شيء وراء ذلك، وهي معذورة في هذا التصور فهذا أقصىٰ مدىٰ تذهب إليه حواسها.

أما الإنسان فيعلم أن الشق هو مجرد شرخ في حائط والحائط لإحدىٰ الغرف والغرفة في إحدىٰ الشقق والشقة هي واحده من عشرات مثلها في عمارة والعمارة واحده من عمارات في حي والحي واحد من عدة أحياء بالقاهرة والقاهرة عاصمة جمهورية.

وهذه بدورها مجرد قُطر من عدة أقطار في قارة كبيره اسمها أفريقيا ومثلها أربع قارات أخرىٰ علىٰ كره سابحه في الفضاء اسمها الكره الأرضية، والكره الأرضية بدورها واحده من تسعة كواكب تدور حول الشمس في مجموعة كوكبية والمجموعة كلها بشمسها تدور هي الأخرىٰ في الفضاء حول مجره من مائة ألف مليون شمس.

وغيرها مائة ألف مليون مجره أخرىٰ تسبح بشموسها في فضاء لا أحد يعرف له شكلًا وكل هذا يؤلف ما يعرف بالسماء الأولىٰ أو السماء الدنيا وهي مجرد واحده من سبع سماوات لم تطلع عليها عين ولم تطأها قدم ومن فوقها يستوي الإله الخالق علىٰ عرشه يُدبّر كل هذه الأكوان ويُهيمن عليها من أكبر مجرة إلىٰ أصغر ذرة.

كل هذا يعلمه الإنسان علىٰ وجه الحقيقة ومع ذلك فما أكثر الناس أشباه النمل الذين يعيشون سُجناء محصورين كل واحد مُنغلِق داخل شق نفسه يتحرك داخل دائرة محدوده من عدة أمتار ويدور داخل حلقة مفرغة من الهموم الذاتية؛
رغم ما وهب الله ذلك الإنسان من علم وخيال واختراع وأدوات وحيلة وذكاء ورغم ما كشف له من غوامض ذلك الكون الفسيح المذهل.

أكثر الناس بالرغم من ذلك قواقع وسلاحف ونمل كل واحد يغلق علىٰ نفسه قوقعته أو يختبيء داخل جحر مظلم ضيق من الأحقاد والأضغان والأطماع والمآرب.

وقد مشي الإنسان علىٰ تراب القمر، ونزلت السفن علىٰ كوكب الزهرة، وارتحلت الكاميرات التليفزيونية إلىٰ المريخ.

فلماذا يسجن الإنسان نفسه داخل شق في الحائط مثل النملة ويعض علىٰ أسنانه من الغيظ أو يحك جلده بحثًا عن لذة أو يطوي ضلوعه علىٰ ثأر.

ولماذا يسرق الناس بعضهم بعضًا ولماذا تغتصب الأمم بعضها بعضًا والخيرات حولها بلا حدود والأرزاق مطموره في الأرض تحت أقدام من يبحث عنها.

ولماذا اليأس وصورة الكون البديع بما فيها من جمال ونظام وحكمة وتخطيط موزون تُوحي بإله عادل لا يخطيء ميزانه بل كريم لا يكف عن العطاء.

لماذا لا نخرج من جحورنا ونكسر قوقعاتنا ونطل برؤوسنا لنتفرج علىٰ الدنيا ونتأمل.

لماذا لا نخرج من همومنا الذاتية لنحمل هموم الوطن الأكبر ثم نتخطىٰ الوطن إلىٰ الإنسانية الكبرىٰ، ثم نتخطىٰ الإنسانية إلىٰ الطبيعة وما وراءها ثم إلىٰ الله الذي جئنا من غيبه المغيب ومصيرنا إلىٰ غيبه المغيب.

لماذا ننسىٰ أن لنا أجنحة فنجرب أن نطير ونكتفي بأن نلتصق بالجحور في جُبن ونغوص في الوحل والطين ونُسلّم قيادتنا للخنزير في داخلنا.

لماذا نُسلّم أنفسنا للعادة والآلية والروتين المكرر وننسىٰ أننا احرار.

You may also like

Leave a Comment

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00