الرئيسية » وتعطرت بعناقه لها بقلم: د. رحاب أبو العزم

وتعطرت بعناقه لها بقلم: د. رحاب أبو العزم

by محمد عجاج زيدان
0 comment

وتعطرت بعناقه لها

بقلم: د. رحاب أبو العزم

تختلف مشاعر الحب بين الزوجين من زمن لآخر وبين مرحلة عمرية عن مرحلة أخرى؛ في بداية الحياة الزوجية تتركز كل المشاعر بينهما حول التعبير الجسدي عن هذه المشاعر التي خبأتها القيم الدينية والعرفية الأسرية والمجتمعية، وما إن شعر كل طرف بأنه قد آتاه الحق الشرعي في الطرف الآخر نجده قد خارت قواه أمام المقاومة وسعى بجل قلبه إلى التعبير الجسدي عن مشاعره.

وقد تختلف ميول كل طرف في كيفية التعبير الجسدي عن تلك المشاعر التي ظلت محبوسة أشهرًا وسنوات؛ فتارة نرى السعي للتعبير المفاجئ ونرى تارة التعبير بعد التمهيد، ومرة قد نشعر بالسرعة وأخرى قد نشعر بالتباطؤ، بيد أننا نجد الانتهاء السعيد بين جميع اختلافات كيفية التعبير. في هذه المرحلة تتعانق المشاعر مع الأبدان لتهدأ ثورتها وانفعالاتها الفسيولوجية الداخلية ولا يفكر الطرفان برؤيته تجاه الكيفية إنما يتركز التفكير في كيفية تحقيق النهاية السعيدة لحصول الهدوء والسكينة. ربما من يقرأ مقالي يستنكر حصوله في زماننا الحالي الذي أضحى وقوع جميع الحوادث فيه بسرعة فائقة لا تستوعب لثوانيها مشاعر ولا تراعي لسرعتها المادية كل هذه الرومانسيات الحالمة، وأنا أقر بكلامي عن الحياة السوية التي نأملها في زمن الماديات والذكاء الاصطناعي، بل ونقر أن ما نأمله هو محقق بالفعل وموجود بيننا ولكننا اعتدنا التشاؤم واستنكار كل ما هو جميل مبررين استنكارنا بقلة حصوله على أرض الواقع.

الإحساس بالعناق وإن لم يحصل

حينما تمر السنوات على إثر هذه الحياة السوية يصبح من اليسير قراءة تفاصيل الآخر؛ فكل ما كان افتراضيًا صار واضحًا بوجه واحد، وكل ما كان مُبهمًا صار مُبينًا، وكل ما كان معنويات صار محسوسًا مقروءًا. تمر السنوات لتتآلف الأرواح بعدما تآلفت الأبدان ويأخذ الحب بين الطرفين منحى جديد، ويدخل بهما إلى منعطف تعجز الكلمات عن وصف روعته، يدخلهما الحب المجنون إلى منطقة الحب الهادئ الناضج الذي يرسم خطط التضحيات وحصادها، والذي يكشف المعني العظيم في قوله تعالى: (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، ويصبح كل طرف للآخر كتاب العمر المفتوح….رواية الحياة الواضحة، ويصطبغ الحب بصبغة فريدة في نوعها، يندهش الطرفان لها فيتعلم كل طرف أنفاس الآخر، ويتفهم نقاط الاستنكار لدى زوجه فيتجنبها، ويحفظ ما يسعده فيسعى لتحقيقه، ويتراءى لكل منهما حقيقة الآخر فيمتص سلبياته ويفتخر بإيجابياته. وأكرر كلامي أني أتحدث عن الأسوياء؛ عن الزوج الذي جعل زوجته تاجًا على حياته وعن الزوجة التي شعرت بأنها قد تعطرت بعناق زوجها بل وقد تنفست بعناقه لها.

المودة والرحمة والحصاد

ويشتعل الرأس شيبًا لتستقر الحياة بينهما بمرور سنوات تلو السنوات ومازال الحب يربط بين الأبدان والقلوب، بيد أن الحب بعدما اشتعل الرأس بالمشيب يتطور إلى قمة الروعة الحياتية.. إلى رقي الزواج ليترجم الكلمة الربانية “ميثاقًا غليظًا”، تلك المرحلة يتآلف فيها القلبان بنوع جديد من التآلف وصفه كتاب الله تعالى بقوله: (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) لتحيل الحب إلى مودة وتراحم وعطف وشفقة، ويشعر كل طرف بأنه ونيس للآخر بل ونيس لنفسه فقد بات الطرفان نفسًا واحدة؛ فلا مجال لأنانية ولا مجال لغطرسة المحبين، ولا مجال لعناد العاشقين، ولا مجال إلا للتعاطف والتراحم ليكون كل طرف عكاز الآخر.

ولقد أكدت لنا تلك الحالات التي نراها بأعيننا في المستشفيات والطرق والمواصلات مدى واقعية كلامي هذا؛ فنرى الزوج الذي قارب السبعين بل تعداها يساند زوجته التي هي من نفس المرحلة العمرية لتصعد السلم أو تمر بالطريق، ونرى الزوج نفسه وهو يعطي له الدواء بعطف وحنان وعذوبة ورقة الطفل المشفق على أمه وتعبها، ونرى الزوجة وقد قاربت السبعين من عمرها وهي تشتري الدواء لزوجها وتستشير الأطباء قائلة: “أريد فقط أنفاسه في حياتي”.

إني أكنيها بمرحلة الحصاد… يحصد الزوجان ما قد زرعاه من حب واحترام ومصداقية وشفافية. وكم يحتاج الكثير منا إلى ذلك الحصاد المشرق الذي يضيء الحياة بعد السبعين ويحيطها بسراج الحيوية والهناء ذلك الحصاد الذي زرعه أنفاس وعطر العناق الدافئ.

You may also like

Leave a Comment

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00